ابن الجوزي
344
صفة الصفوة
فلا تنقبض مني . فقال : كيف لا ؟ إني واللّه أود لو جاز لي ترك الجماعات حتى انفرد في شاهق منيف صعب المرتقى ، أو في غار موحش لعلّي أجد قلبي ساعة يسلو عن الدنيا وأهلها . فقلت : وما جنت عليك الدنيا حتى استحقّت هذا البغض منك ؟ فقال : جناياتها العمى عن جناياتها . فقلت : هل من دواء أتعالج به من هذا العمى الذي قد حجب عني ما يراد بي ؟ قال : ما أراك تقدر على العلاج فاستعمل من الدواء أيسره . قلت : صف لي دواء لطيفا . قال : فما داؤك ؟ قلت : حبّ الدنيا . فتبسم وقال : أيّ قرحة أعظم من هذه ؟ ولكن اشرب السموم الطريّة والمكاره الصعبة . قلت : ثم ما ذا ؟ قال : مرّ الصبر الذي لا جزع فيه والتعب الذي لا راحة فيه ، قلت : ثم ما ذا ؟ قال الوحشة التي لا أنس فيها والفرقة التي لا اجتماع معها ، قلت : ثم ما ذا ؟ قال السلوّ عما تريد والصبر عما تحبّ ، فإن أردت فاستعمل هذا وإلا فتأخر واحذر الفتن كأنها قطع الليل المظلم . قلت : فدلّني على عمل يقرّب إلى اللّه عزّ وجل . فقال : يا أخي قد نظرت في جميع العبادات فلم أر أنفع من الفرار من الناس وترك مخالطتهم ، يا أخي رأيت القلوب عشرة أجزاء ، فتسعة مع الناس وجزء مع الدنيا . فمن قوي على الانفراد حاز تسعة أجزاء من القلب . ثم غاب عني فلم أره . ذكر المصطفيات من عابدات لقين في طريق السياحة 991 - عابدة ذو النون المصري قال : بينا أنا سائر في البادية إذ رأيت امرأة متعبدة ، فلما أن دنت مني سلّمت عليّ فرددت عليها السلام ، فقالت : من أين أقبلت ؟ فقلت : من عند حكيم لا يوجد مثله ، فصاحت وقالت : ويحك كيف فارقته وهو أنيس الغرباء ؟ فأوجع قلبي كلامها فبكيت ، فقالت لي : مم بكاؤك ؟ قلت : وقع الدواء على الداء ، فأسرع في نجاحه ، قالت : فإن كنت صادقا فلم بكيت ؟ قلت : والصادق لا يبكي ؟ قالت : لا ، لأن البكاء راحة القلب وهذا نقص عند ذوي العقول يا بطّال ، قلت : علّميني شيئا ينفعني اللّه به . قالت : ويحك ما أفادك الحكيم من الفوائد ما تستغني به عن طلب الزوائد ؟ فقلت : إن رأيت أن تعلّميني شيئا فعلت ، فقالت : أخدم